يعكف تياّر أنصار الشّريعة في تونس والمعرُوف بالسّلفيّة الجهاديّة بزعامة سيف الله بن حسين المعروف باسم “أبو عياض” على الإعداد لمُؤتمرهم العام الثّاني المُزمع انعقاده بالقيروان يوم الأحد 19 ماي الجاري. هذا اللّقاء العام هو الثّالث لتيّار أنصار الشّريعة منذ انتفاضة 14 جانفي، فقد انعقد مؤتمرهم التّأسيسي بسكرة وتلاهُ المؤتمر الأوّل الّذي أُقيمَ السّنة الماضية بالقيروان والّذي كان لقاءً استعراضيّا بامتياز.
وبحسب ما أفاد به مراسل “جدل” بمدينة القيروان ناجح الزّغدودي، فـ”إنّ الحركة قبل خمسة أيّام من انعقاد المؤتمر الحدث تبدو غير عاديّة، لا من حيثُ تمَيُّزِها بنسق مُتصاعد من التّحضيرات، بل من حيث الغياب التّام لتحرّكات أبناء تيّار أنصار الشّريعة. مقابل تسجيل تحرّك استثنائي من قبل القيادات الأمنيّة على وقع الإعداد لهذا المؤتمر، إذ انعقد اجتماع طارئٌ في منطقة الشّرطة جمع قيادات أمنيّة عليا بمسؤولي الجهة”.
وللإشارة فإنّ المكان الّذي سيحتضن اللّقاء، وهو السّاحة الخلفيّة لجامع عقبة بن نافع، يَتسع لـ “لما بين الـ 4000 والـ5000 شخص على أقصى تقدير”، بحسب ما أفادنا عبد المجيد لغوان والي القيروان في تصريح لـ”جدل”. كما شدّد الوالي على القول بـ”أنّه لم يتلقّ بعد طلبًا من قيادات أنصار الشريعة للتّرخيص لهم بعقد اجتماعهم الجماهيري، رغم أنّ المُهلة القانونيّة للإعلام والمُقدّرة بـ 78 ساعة، تنتهي في غضون السّاعات القليلة القادمة”.
وفي ذات السّيّاق أفاد مُحدّثنا بـ”أنّه التقى عددًا من قيادات هذا التّيّار، مَطلَع الأسبوع الفارط، وأعلَمَهم بجملة من الشّرُوط الواجب احترامها حتّى يُستجاب لطلبهم”. ومن أهمّ هذه الشّروط، أضاف الوالي قائلاً “الاستغناء عن رفع الرّايات السّوداء والالتزام بتحديد فضاء مُعيّن لنشاطهم دون أن يتجاوزوا مساحته، فضلا عن تقديم برنامج واضح لنشاطهم والالتزام بعدم اللّجوء لتأطير أمني موازٍ لما ستوفّره وزارة الدّاخليّة، والتخلّي عن الاستعراضات الجماهيريّة والعنيفة وعن الخطابات المُحرّضة على العنف”.
وكشف لغوان “أنّه في صورة التزام تيّار أنصار الشّريعة بهذه الشّروط سيتمّ إعلام وزير الدّاخليّة للنّظر في طلب التّرخيص والتّأشير له”، مُشيرًا إلى “أنّه من المُرجّح تأمين مدينة القيروان بالكامل، خلال نهاية الأسبوع، خوفا من اندساس بعض الانتهازيّين واستغلالهم لمثل هذه المُناسبات”.
ولئن وصف السيّد الوالي هذه المناسبة بـ”الهامّة” لأنّها قد تُسهم في دفع عجلة الاقتصاد بالجهة، باعتبار أنّها تستقطب أعدادًا هامّةً من أنصار هذا التيار الّذين “سيحجّون” إلى مدينة القيروان من مختلف جهات الجمهوريّة، إلّا أنّه شدّد على وجوب احترام الحريّات العامّة وعدم إكراه النّاس على الانخراط في نمط عيش هذه الجماعات الجهاديّة.
وبخصوص قائمة المدعويين لهذا المؤتمر كشف محدّثنا “أنّ قادة هذا التيّار أعلموه بأنّ دعوات الحضور وُجّهت لعامّة الناس دون تحديد لأشخاص بعينهم”، مُشيرًا إلى “عدم علمه الدّقيق بإمكانيّة إشراف قيادي التّنظيم أبو عياض، المطلوب للعدالة، على هذا الملتقى”. لكنّه أكّد في المُقابل “أنّ قوّات الأمن لن تتوانى في القبض على أيّ عُنصر مطلوب أمنيّا، سواء كان أبو عياض أو غيره، حرصا على تطبيق القانون وإعلاء كلمته”.
هذه التّراتيب الواجب احترامها تبدو تحدّيا واضحًا من قبل وزارة الداخليّة تجاه هذا التيّار، الّذي وصف أعوانها وموظفيها بـ”الطّاغوت”. ردّ أنصار هذا التيّار، في بيانهم الصّادر على موقعهم الرّسمي على شبكة “الفاسبوك”، يبدُو واضحًا، من خلال إعلانهم عن تحدّ مُماثل لذاك الصّادر عن قوات الأمن، إذا ما رفضت وزارة الدّاخليّة منحهم لترخيص يُخوّلُ لهم عقد مُؤتمرهم هذا.
فبحسب هذا البيان دعا القيادي أبو جعفر الحطّاب أنصاره إلى “الحضور بكثافة لهذا الملتقى، وأوصاهم بتكثيف الرّايات السّود، رايات التّوحيد إغاضة لأهل الشّرك والتّنديد”، حسب قوله.
ورغم أنّ الحطّاب دعا أنصاره إلى التزام أدب زيارة مدينة القيروان وحثّهم على توزيع الهدايا على الأهالي “عسى أن يهديهم الله وينضمّوا إلى تنظيمهم”، إلّا أنّه توجّه بخطاب شديد اللّهجة إلى من أسماهم بـ “الطّواغيت”، مُحذّرا إيّاهم من العمل على تعطيل هذا الاجتماع.
هذا “المؤتمر الحدث” لتيّار السّلفية الجهادية بتونس، يأتي على وقع أحداث عنف هزّت البلاد في أكثر من جهة، وكان أبرزها اكتشاف معسكر للجهاديّين بجبل الشّعانبي، فضلاً عن مقتل عون أمن على يد مجموعة سلفيّة.
وأمام تواتّر توجيه التّهم لهذا التيّار بإرتكاب الجرائم والتعدّي على أمن البلاد وترويع الأهالي من خلال التحرّكات والأنشطة الّتي يُنظّمُها، يشرف وزير الدّاخلية على حملة “لإنهاء فترة التّسامح مع تحرُّكات هذه الجماعات والحدّ من أنشطتهم من خلال تطبيق القانون على كلّ خيمة دعويّة غير مرخّص فيها، وهو ما جعل أنصار هذا التيّار وقياديّيه يتلقّون رسالة واضحة المعنَى، مفادُها “أنّ الطّواغيت لن تسكن ولن تركُن لتفسح المجال لأمن موازٍ”.
والرّسالة كانت أوضح على لسان سعيد المشيشي كاتب الدّولة لدى وزير الدّاخلية الّذي لم يستبعد في تصريح لـ”جدل”، “إمكانيّة منع انعقاد مؤتمر أنصار الشّريعة في صورة عدم احترامهم للتّرتيبات والشّروط الّتي طرحتها الوزارة عليهم”. حيث قال “لا أحد يستقوي على الدّولة وعلى القانون، فعلى من ينشط خارج القانون أن يحترم الحريّات العامّة وهيبة الدّولة ومؤسّساتها”.
إذن يبدو المؤتمر الثّاني لجماعة أنصار الشريعة كقنبلة موقوتة تتحاشاها حتّى التّنظيمات القريبة منها، فمحمّد خوجة رئيس حزب جبهة الإصلاح السّلفي، أعلن لـ”جدل”، “أنّ زملاءه لا يفكّرون في المشاركة في هذه الفعاليّة”، مُشيرًا إلى “أنّهم لم يحضروها في المناسبتين السّابقتين”، داعيًا وزارة الداخليّة إلى “تأمين الملتقى وتوفير الحماية للجميع”.
من جهة أخرى أفادنا فيصل ناصر نائب رئيس المكتب الإعلامي لحركة النّهضة في تصريح لـ”جدل”، بـ”أنّ قياديّي الحركة لن يحضروا هذا الملتقى حتّى وإن تمّت دعوتهم من طرف هذا التيّار”. وبلهجة التبرّئ من التّرابط مع هذا التنظيم الّذي وضعه في “مرتبة أدنى من مرتبة حركة نداء تونس”، أضاف ناصر قائلاً “لن نشارك أنصار الشّريعة فعاليّات مُؤتمرهم الثّاني، لأنّنا على طرفي نقيض معهم. فهم لا يؤمنون بالحياة الدّيمقراطيّة، ولاشيء يجمعنا بهم”.
وتجدرُ الإشارة إلى أنّ مراسلنا بالجهة، أكّد “أنّ جماعة أنصار الشّريعة يُروّجون لحُضور 30.000 شخص، وهو ما لن تتّسع له ساحة جامع عقبة بن نافع. كما أنّهم يؤكّدون على وجوب حضور زعيمهم المُكنّى بأبي عياض إيمانًا منهم بعدم وُجوب الرُّضوخ لقيُود الدّولة وحدُودها الأمنيّة”.


